Search from the Journals, Articles, and Headings
Advanced Search (Beta)
Home > Ibn Khaldoun Journal for Studies and Researches > Volume 2 Issue 8 of Ibn Khaldoun Journal for Studies and Researches

The veil in the west countries between the religious freedons and secular codes |
Ibn Khaldoun Journal for Studies and Researches
Ibn Khaldoun Journal for Studies and Researches

Article Info
Authors

Volume

2

Issue

8

Year

2022

ARI Id

1682060055167_2279

PDF URL

https://drive.google.com/file/d/1GukSl1SlWfUbQwdroIToqhRsMuxOyU82/view?usp=sharing

Subjects

الحجاب قانون الحظر الإرهاب العلمانية الحرية الدينية

 الحجاب في الدول الغربية بين الحرية الدينية والنصوص العلمانية

The veil in the west countries between the religious freedons and secular codes


د. كريمة بنان: أستاذة محاضرة أ بكلية علوم الاعلام والاتصال جامعة الجزائر 3، جمهورية الجزائر

د. بن لعلام سمهان: أستاذة محاضرة أ بكلية علوم الاعلام والاتصال جامعة الجزائر 3، جمهورية الجزائر.

الملخص:

 


Abstract:

The veil of the Muslim woman comes at the top of the political debates by considering it as a real menace for the secularism and rationalism of the west, so, the veil becomes a phobia for the west especially after the bleeding events of September 11th, 2001 which led to the rise of enemies against Islam and Muslim people and the main cause was the veil of the Muslim woman that was exposed to large campaigns of defamation which represent the other face of terrorism but she was the real doer. So, this study aims at determining the campaign that the Muslim woman is exposed in Europe precisely in France and this through the reading and analysis of the law of prohibiting the religious symbols that target the veil at first. In order to reach the aim of the study, the researchers have used the descriptive and analytic method by showing the historical streams that embody the phenomenon under study, this study has resulted to some results and among them: The law of prohibiting the veil in west countries represents racism against Islam and Muslim people, and The attitude of the west countries towards the veil of the Muslim woman represents the embodiment the speech of the hate against Islam and Muslim people and this by governing and mastering the world politically, culturally and in the modern way

Keywords: Veil, law of prohibition, terrorism, secularism, religious freedom.


المقدمة:

تستمر قضية وضع الحجاب في الدول الغربية منذ سنوات طويلة في إثارة كثير من الجدل والنقاش خاصة مع حظر ارتدائه في معظم الدول الغربية وفي مقدمتها فرنسا منذ صدور وإقرار قانون 2004 الذي يُعد تعبير صريح عن الهوة الكبيرة الموجودة بين الحريات الشخصية والفردية للأفراد وممارسة معتقداتهم بكل حرية مثلما تضمنه معظم الدساتير الغربية المؤسسة على مبادئ الحرية والمساواة، غير أنها اصطدمت بواقع جديد أفرزته أحداث 11 سبتمبر الدامية التي توجت بالحرب على ما يسمى بالإرهاب والتي يعتبرها الكثيرون بأنها ليست سوى حربا على الإسلام والمسلمين لتستهدف الجاليات المسلمة التي لجأت للغرب بحثا عن فرص للعمل والاستقرار والأمن والتعليم النموذجي لتواجه واقعا جديدًا يُخفي كثير من الممارسات العنصرية ضد المسلمين والتي تستهدفهم في هويتهم وحقهم الطبيعي في ممارسة شعائر دينهم ويتصدرها قانون حظر الحجاب في الدول الغربية وتحديدا في فرنسا التي يعيش بها أكبر جالية مسلمة.

إن حظر الرموز الدينية حتى وإن جاء بصيغ محايدة إلا أنه استهدف بالدرجة الأولى حجاب المرأة المسلمة الذي لا يعتبر رمزا دينيا تتباهى به النساء المسلمات ولكنه واجبًا دينيًا وامتثالا لإرادة الله عز وجل، فقانون حظر المروز الدينية ينظر للحجاب بأنه يتعارض مع القيم الفرنسية ومبادئ العلمانية ولا يمكن المرأة من تقرير مصيرها وممارسة حقوقها بشكل كامل وهذا الطرح فيه كثير من التمييز ضد المرأة المسلمة وحقها في ممارسة دينها وفيه استهداف للإسلام والمسلمين ويطرح كثير من التساؤلات حول قضية إدماج المسلمين داخل أوروبا وتجديدا فرنسا التي يوجد بها أكبر جالية مسلمة.

إن حظر الرموز الدينية حتى وإن جاء بصيغ محايدة إلا أنه استهدف بالدرجة الأولى حجاب المرأة المسلمة الذي لا يعتبر رمزا دينيا تتباهى به النساء المسلمات ولكنه واجبا دينيا وامتثالا لإرادة الله عز وجل، فقانون حظر الرموز الدينية ينظر للحجاب بأنه يتعارض مع القيم الفرنسية ومبادئ العلمانية ولا يمكّن المرأة من تقرير مصيرها وممارسة حقوقها بشكل كامل، وهذا الطرح فيه كثير من التمييز ضد المرأة المسلمة وحقها في ممارسة دينها وفيه استهداف للإسلام والمسلمين ويطرح كثير من التساؤلات حول قضية ادماج المسلمين داخل أوروبا وبالتحديد فرنسا التي يوجد بها أكبر جالية مسلمة.

إشكالية الدراسة:

اجتهدت الدول الغربية منذ القديم في تقديم صورة نمطية سلبية عن المرأة المسلمة وتحديدا المحجبة الذي يمثل حجابها رمزا للعبودية والإرهاب والعنف، فأصبحت قضية الحجاب محورا أساسيا في مناقشات صناع القرار السياسي والإعلامي في الغرب على اعتبار أن الحجاب يمثل تهديدا صريحا للهوية الثقافية الغربية، بل وتحديا صارخا لها، ومن هذا المنطلق تتناول هذه الدراسة إشكالية حظر الحجاب في الدول الغربية وتداعيتها على المرأة المسلمة.

وعليه تتمحور إشكالية الدراسة في سؤال محوري مهم تحاول الدراسة الإجابة عليه ويتمثل فيما يلي:

كيف ينظر الغرب لحجاب المرأة المسلمة؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية جملة من التساؤلات تسعى الدراسة الاجابة عليها:

  • ما الأصل التاريخي والديني للحجاب؟

  • ما هو واقع حجاب المرأة المسلمة في الدول الغربية؟

  • هل يعبر قانون حظر الحجاب عن ممارسات عنصرية ضد المرأة المسلمة؟

  • ما هي الأسباب الحقيقية التي تقف وراء قانون حظر الحجاب فب الدول الغربية؟

    وللإجابة على هذه الإشكالية البحثية ارتأينا تطبيق المنهج الوصفي التحليلي لدراسة إشكالية حظر حجاب المرأة المسلمة من خلال استعراض مختلف الرواسب التاريخية ذات العلاقة بإشكالية الدراسة

    هيكل الدراسة:

  • الإطار المنهجي للدراسة.

  • الأصل التاريخي والديني للحجاب.

  • حظر الحجاب في الغرب وممارسات عنصرية ضد المرأة المسلمة.

  • الخاتمة والنتائج.

    أولا: الأصل التاريخي والديني للحجاب

    1- تعريف الحجاب:

    لا شك أنّ الحجاب يعبر في جوهره عن معاني الحشمة والستر أي ستر المرأة لجسمها وزينتها ولعل هذا السعي هو الذي أكد عليه القرآن الكريم في سورة النور وتحديدا في الآية الواحدة والثلاثين: "وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ".

    إذن جاء القرآن الكريم ليأمر النساء المسلمات بالتزام الحجاب وستر أجسادهن عن الغرباء ماعدا محارمهن الذين وضحتهم الآية الكريمة، فالحجاب إذن هو ستر كامل الجسم باستثناء الوجه والكفين بإجماع أهل الفقه.

    إن ّالحجاب لغة معناه يدل على الستر والحيلولة والمنع حيث قال ابن فارس: "الحاء والجيم والباء أصل واحد وهو المنع، الحجب في اللغة يعني المنع، الحَجاب في اللغة الستر وهو أيضا ما احتجبت به المرأة (تعريف الحجاب لغة وشرعا، 2020).

    الحجاب إذن تعبير عن الشيء الذي يحول بين شيء آخر ويمنع ظهوره.


    2- الحجاب في الحضارات الإنسانية القديمة:

    هناك الكثير من التساؤلات التي جاءت على مر العصور والأزمنة حول الأصل التاريخي للحجاب، حيث يؤكد المختصون في الحضارات القديمة على أنّ الحجاب تقليدا ولباسا كان موجودا قبل ظهور الإسلام وقصته بدأت حوالي 1125 قبل الميلاد.

    فالحجاب إذن له امتدادات عريقة تعود إلى الحضارات الإنسانية القديمة الآشورية واليونانية والفرعونية. فلقد كان الآشوريون من أقدم الشعوب التي فرضت الحجاب على نساءها وهذا ما أكدته الدراسات حول هذه الحضارة وخصوصيتها في التعامل مع المرأة،

    ففي هذه الحضارة كان ظهور المرأة قليل جدا، فإذا خرجت من منزلها كان لازمًا عليها وضع الحجاب الذي يصف الطبقة التي تنتمي إليها من شكل حجابها وهذا معناه أن الجارية إذا خرجت مع سيدها (Maitre) وُجب عليها وضع الحجاب وإذا أراد الرجل الزواج بامرأة ما فيتم حجابها مباشرة.

    من الواضح أن الحضارة الأشورية أولت إهتماما كبيرا لحجاب المرأة التي لا يُسمح لها بالخروج دون حجابها لدرجة أنها تخضع لعقاب القوانين في حالة امتناعها عن ارتداء الحجاب وهو ما يعكس طبيعة الحضارة الأشورية القائمة على السيطرة الذكورية الكاملة التي تقمع، ولكن في الوقت نفسه تميز بين النساء الحُرات والعبدات أو ما يعرف بالمومسات اللواتي لا يرتدين الحجاب بحكم القوانين التي تفرض عليهن عقوبات قاسية بحكم أنهن جاريات أو عاهرات (ياسين حسن روزا) ليستمر الوضع إلى غاية القرن الثاني عشر قبل الميلاد بانهيار الدولة الآشورية. أما في الحضارة اليونانية فيعتبر تغطية المرأة لجسدها وشعرها تقليدًا اجتماعيا يدل على الحياء والاحترام والتواضع فكانت النساء تلبسن لحافًا تلتحف به اسمه الهيماتيون.

    كما يؤكد المختصون الأنثروبولوجيون أن الحجاب في هذه الحضارة العريقة ارتبط بمناسبات كالأعياد والجنائز أي الأحزان حيث يُسمح للنساء بإزاحة غطاء الرأس أي حجاب الرأس قليلا مع المحافظة على الاحتشام والوقار.

    إنّ مصدر قوة حجاب المرأة في اليونان كان العُرف العام واحترامه ولم يكن ينبع من قوانين إلزامية ردعية كما كان موجودا عند الأشوريين.

    فالحجاب إذن يحمل رمزية مهمة في الطقوس الدينية والمناسبات السعيدة والحزينة أي الجنائز وهو عنوان للتواضع والاحتشام (مونزر، 2013).

    أما عن الحجاب في الحضارة الرومانية فقد نجحت المرأة في الحصول على بعض المكاسب المُهمة لتتوج بها حريتها في ارتداء الحجاب أو الامتناع عن ارتدائه.

    فكان الحجاب في هذه الحقبة التاريخية يمثل خمارا لتغطية الوجه والشعر طبعًا واستمر الوضع على ما هو عليه إلى غاية القرن الثامن عشر ميلادي حيث أخذت المرأة اتجاها آخر يسمح لها بالتخفيف من التزامها بلبس الحجاب وإمكانية نزعه )حقي، 2008 ).

    ويؤكد التاريخ أن المرأة في الحضارة المصرية القديمة أي الفرعونية تمتعت باحترام كبير تجسد في إعطائها الفرصة للمشاركة في حُكم مصر حيث لم تعرف مصر الحجاب في عصر الفراعنة إلى غاية وصول المماليك للحُكم ابتداء من 1789 قبل الميلاد فبدأت المرأة تتحجب خوفا من الاعتداءات عليها إذن المرأة في عصر الفراعنة كانت رمزا للمرأة العصرية في لباسها وتحررها.

    3- الحجاب في الديانات السماوية:

    الحجاب في الديانة المسيحية:

    تؤكد التعاليم المسيحية على عدم وجود حجاب ولكن يوجد غطاء الرأس وظهور السيدة مريم في صورها في الكنائس بغطاء الرأس ليس رمزا للحجاب مع التأكيد على وجود الاحتشام، فالدين المسيحي يوصي المرأة بالمحافظة على الحياء والاحتشام ومع ذلك فغطاء الرأس أو الحجاب من الرأس يعتبر فريضة عند بعض الطوائف المسيحية مثل: الآميش والمينونانيت وكذلك الحال بالنسبة للراهبات اللواتي يرتدين الحجاب والعبايات الواسعة داخل الكنائس وخارجها:

    "فإن أردت أن تكوني مؤمنة ومرضية لله فلا تتزيني لكي ترضي رجالاً غرباء وأيضا لا تشتهي لبس الثياب الخفيفة التي لا تليق إلا بالزانيات وكدا لا تزيني وجهك الذي خلقه الله، فليس فيه شيء ينقص الزينة، لأن كل ما خلقه الله فهو حسن جد ولا يحتاج إلى زينة، وما يزيد على الحُسن فإنه يغير نعمة الخالق (عامري، الحجاب شريعة الله في الإسلام واليهودية والنصرانية).

    إذن تدعو المسيحية إلى الطهارة والعفة والاحترام والاحتشام بل إلى ارتداء الحجاب حيث لاتزال كل الكنائس المسيحية بطوائفها ومذاهبها تتمسك بالحجاب من خلال زي الراهبات وكذا ظهور السيدة مريم العذراء في معظم صورها في الكنائس بغطاء الرأس حتى وإن قيل بأن غطاء الرأس لا يعني بالضرورة حجاب لأن المسيحية لم توصي المرأة بذلك (ناجي.ماريان، 2017).

    الحجاب في الديانة اليهودية:

    احتل الحجاب مكانة مهمة في الديانة اليهودية حيث كانت المرأة اليهودية تُغطي رأسها وفي أحيان كثيرة وجهها أيضًا، فلا تظهر أبدا في الأماكن العامة دون غطاء رأسها وقيل أنّ الحجاب العبري القديم كان طويلاً ويُغطي كامل الجسم واعتبرت المرأة الكاشفة لرأسها أنها تُهين حشمتها وتُغرم لهذه الجريمة (بوابة الاعلام الالكتروني، 2019).

    إذن الحجاب في الديان اليهودية وإلى غاية نهاية القرن التاسع عشر تعبيرا صريحًا عن عفتها واحترامها ومستواها الاجتماعي، وهناك إشارة واضحة في الكتاب المقدس اليهودي (التوراة) على أنّ إرتداء المرأة اليهودية للحجاب يُعد مقياسًا هامًا وحاسمًا لشرفها وكشف غطاء رأسها دلالة على فسادها ولذلك فقد أجازت الشريعة اليهودية للرجل تطليق زوجته إذا لم تلتزم بارتداء غطاء الرأس امام الأجانب والغُرباء عنها، فتغطية شعر المرأة هو جزء مكمل للطقوس اليهودية وهو مستمد أساسا من الكتاب المقدس وهو ما يفسر خروج النساء اليهوديات علنا بغطاء الرأس لدرجة أنه لا يجوز تلاوة الصلوات في حضور امرأة كاشفة الرأس لأنه يعتبر تعريًا (الجلاهمة بنت محمد، أميمة).

    إذن غطاء الرأس سواء كان عرفا أو التزاما أي فريضة في الديانة اليهودية فهو رمز للاحترام والتواضع والمكانة الاجتماعية وصعوبة الوصول للمرأة ككائن مقدس خاصة عند زوجها وهو ما يعطيها ويمنحها القوة والعفة.

    الحجاب في الإسلام:

    جاء الإسلام كآخر الكتب السماوية ليُكرم المرأة بكل خصوصياتها وعفتها واحترامها ليأمرها بارتداء الحجاب لكي تحفظ نفسها وتُكرم نفسها بنفسها وتصون كرامتها ليُلغي الإسلام بذلك كثير من عادات الجاهلية كالعري وتزيين العنق والصدر بالحلي وهو ما يعتبر إهانة للمرأة وجسدها وشخصيتها.

    لقد فرض الإسلام الحجاب للمرأة المسلمة ليحافظ على عفتها وكرامتها وهذا معناه أنّ الإسلام لم يأت لقمع المرأة وتقييد حريتها وإنما هو لباس يتماشى مع الفطرة البشرية ذلك أن الإسلام عندما أجاز للمرأة كشف الوجه والكفين وأمرها بستر ما بقي من جسدها فقد أراد أن يحفظ لها فطرتها وعفتها ووقارها وستر مفاتنها.

    وعليه فإن الحجاب فرض على كل النساء المسلمات لقوله تعالى: "وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ"[النور: 31].

    وقوله في كتابه العزيز أيضا: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا" [الأحزاب: 59].

    لقد أعطى الإسلام مكانة هامة للمرأة وهي موازية لمكانة الرجل، فلها حقوق وعليها واجبات فالنساء شقائق الرجال كما يقول الرسول محمد- صلّى عليه وسلم-.

    يظهر أن النصوص الشرعية الإسلامية جاءت آمرة النساء المسلمات بالتزام لبس الحجاب واحترام ضوابطه الشرعية فيعكس ذلك التزامها بأوامر الله وطاعة له، فالحجاب كمظهر يُعبر عن الهوية الإسلامية وهو امتثال لفرض إلهي جاء في آيات صريحة وأحاديث نبوية متفق عليها لا يرقى إليه الشك، ليكون الحجاب في الإسلام هو عنوان واضح لمشروع حياة مبني على أخلاق الإسلام ومعاملاته ليكون رابطا روحيا يصل المرأة المسلمة بربها، فالحجاب هو أمر ملكوتي يمكن المرأة من الولوج في عالم المعنى ونور الستر والحياء ) طه: (2017.

    ومن خلال كل ما سبق يمكن القول أنّ الحجاب الذي قدسه الإسلام بنصوص القرآن والسنة فيه حماية للمرأة وحفاظا على فطرتها فهو لا يمثل قهرا للمرأة المسلمة ولا تقييدا لحريتها وهذا ما أكدته الباحثة الكندية Kathrine Bullock أثناء إعدادها لرسالة دكتوراه معنونة " نظرة الغرب إلى الحجاب " لتعتنق الإسلام في 1994 وترتدي الحجاب وتقول بأنه أي الحجاب جزء من دين يمنح النساء المسلمات الكرامة والاحترام )بولوك، (2011.

    ثانياً: حظر الحجاب في الغرب وممارسات عنصرية ضد المرأة المسلمة:

    تُعتبر قضية حجاب المرأة المسلمة في الدول الغربية من أكثر القضايا المثيرة للاختلاف والنقاش والجدل إعلاميا وسياسيا وهذا منذ سنوات طويلة ما يفسر معاناة المرأة المسلمة في كثير من البلدان الغربية حيث تعاني من التمييز والاضطهاد الاجتماعي بسبب حجابها الذي أصبح رمزا للعنف والإرهاب بل ومهدد لخصوصيات المجتمعات الغربية الثقافية والحضارية هذا التوجه الذي تدعم أكثر في اتجاه حظر الحجاب لحماية علمانية الدول الغربية وفي مقدمتها فرنسا حيث يوجد بها أكبر جالية مسلمة.


    1- حظر اللباس الإسلامي في فرنسا (معركة الهوية):

    تعتبر فرنسا ومعها المنظومة الغربية أن التنوع الثقافي هو أحد أهم العناصر المهددة لخصوصياتها الحضارية والثقافية.

    وتعود القضية في فرنسا المصنفة بالعدو القوي والأول للحجاب في أوروبا والعالم كله، فالقوانين الفرنسية وفي مقدمتها قانون إعلان حقوق الانسان والمواطن في 1789 يعد مفخرة لكل الفرنسيين لأنه جعل من فرنسا أرض التسامح والحرية وملجأ للمضطهدين في العالم غير أنّ قضية الحجاب في فرنسا فتحت الباب امام كثير من التساؤلات الخاصة بوضعية حقوق الإنسان في بلد تقدس فيه الحريات. حيث تؤكد وتنص المادة 10 من قانون إعلان حقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789 على منع التعرض لأي شخص بسبب آرائه وأفكاره حتى وإن كانت دينية فارتداء الحجاب والنقاب لم ولن يضر بأحد سواء داخل المدرسة أو الجامعة أو حتى خارجها ( Yacoub, 1998, p. 70). ومع ذلك فصراع فرنسا الرسمية مع الحجاب يعود لسنوات طويلة ولكنه ظهر بوضوح في 18 سبتمبر 1989 عندما أصرت ثلاثة طالبات مغربيات مسلمات على ارتداء الحجاب والدخول به إلى معهد كابريال هافاز بضواحي العاصمة الفرنسية باريس ليقرر مدير المعهد طردهن رغم أن الحجاب لا يعتبر من المهددات للأمن الفرنسي وانّ الخوف من الإسلام لا يعطي للمشرع الفرنسي سلطة الاعتداء على حرية ممارسة الشعائر الدينية (توحش علماني في مواجهة الحجاب، 2003).

    وعليه قوبلت حادثة طرد الطالبات المغربيات باستنكار واسع لاسيما لدى الجاليات المسلمة في فرنسا وأوروبا وهو ما فتح نقاشا سياسيا وشعبيا داخل فرنسا وخارجها ليصبح الحجاب مادة دسمة للساسة الفرنسيين لاسيما اليمين الفرنسي المتطرف الرافض للحجاب الذي يعد عائقا ودليلا واضحا على عدم قدرة النساء المسلمات على الاندماج مع قيم الجمهورية الفرنسية (Hajjat, 2010, p. 44).

    استمرت فرنسا في حربها القانونية على الحجاب وذلك على لسان رئيسها السابق جاك شيراك أثناء زيارته لتونس وتحديدا لمدرسة فرنسية هناك في ديسمبر 2003 قائلا ومتحديا كل مسلمي العالم ليصرح: " إنني أرى عدوانية في ارتداء الحجاب " ليعلن بعدها بأيام قليلة: " أنّ الحجاب رمز ديني واضح لابد من حظره داخل المؤسسات التعليمية والحكومية حماية للعلمانية لتتشكل لجنة بقيادة برنارد ستابي لمواجهة قوى طلابية ونشطاء سياسيين دينيين وتيارات متطرفة تهدف إلى تدمير الديمقراطية الغربية وأسلوب حياتها المبني على الحرية والمساواة (Staci , 2003).

    وتبعا لذلك، قام البرلمان الفرنسي بالتصويت بالأغلبية على قانون يمنع الرموز الدينية كالحجاب والصليب والبُركة اليهودية مع التأكيد على فرض عقوبات على كل من يخالف القانون الذي صدر في شكله النهائي في مارس 2004 (البرلمان الفرنسي يحظر الحجاب والرموز الدينية، 2004) لتتوالى بعد ذلك سلسلة القوانين الهادفة إلى التضييق على لباس المرأة المسلمة كقانون 11 أكتوبر 2010 المتعلق بحظر تغطية الوجه في الأماكن العامة أو ما يعرف بالنقاب فأقر القانون غرامة مالية مقدرة ب 150 يورو لكل امرأة مسلمة لا تلتزم بنص القانون مع إلزامها بدورة تدريبية على المواطنة كعقوبة بديلة، )العجمي، ( 2010.

    وحدث هذا في فرنسا رغم إقرار مجلس الدولة أنّ إصدار هذا النوع من القوانين يتعارض مع مبدأ دستوري مهم وأساسي وهو حرية المعتقد، حيث أن لكل فرد في المجتمع الحق في ممارسة حياته وفقا لمعتقداته وخياراته الشخصية وبالتالي من حق المرأة أن ترتدي الحجاب أو النقاب. وتبعت معظم الدول الأوروبية فرنسا فيما يخص الحجاب الإسلامي وتطبيق حظر ارتداءه في الأماكن العامة والمؤسسات التعليمية والحكومية على غرار بريطانيا وبلجيكا وهولاندا والدنمارك وسويسرا في رسالة واضحة على التطبيق على المرأة المسلمة وممارسة التمييز الاجتماعي عليها.

    وقد كشفت دراسة أجريت في ألمانيا عن أدلة تثبت تعرض النساء اللواتي يحملن أسماء تركية للتمييز في سوق العمل وهذا التمييز يصبح أشد إذا كانت المترشحة ترتدي الحجاب الإسلامي خاصة وأن محكمة العدل الأوروبية أصدرت قرارها النهائي في 2017 بحظر ارتداء الحجاب في العمل وهو ما أدى بشكل أو بآخر إلى انقسامات حادة بين الأوروبيين أنفسهم حول القدرة على إدماج المسلمين في المجتمعات الأوروبية وجعلهم يثقون بعدالة القوانين وقدرتها على حمايتهم بعيدا عن الحسابات السياسية والثقافية المرتبطة بادعاءات خطورة الحجاب الإسلامي على الهوية الأوروبية وقيمها وهو ما يعني تهميش وإقصاء للمرأة المُحجبة في كل المجالات السياسية والاجتماعية والإعلامية وهو يعبر عن تسارع خطاب الكراهية ضد الإسلام والمسلمين وأقوى مظاهره حجاب المرأة المسلمة في الدول الغربية حيث لا تطالب بأكثر من حقها في التدين كما يمارس الآخرون التعري دون قيود أو محاسبة قانونية أو اجتماعية.

    قراءة في أسباب صدور قانون حظر الرموز الدينية في فرنسا

    تعرضت الجالية المسلمة في الدول الغربية وتحديدا في فرنسا إلى كثير من الاعتداءات على حرياتها ومعتقداتها الدينية وفي مقدمتها تلك التي مست المرأة وحظر حجاب المرأة المسلمة بداية من قانون 2004 لتتوالى القوانين بعد ذلك لتؤكد على منع الرموز الدينية واستندت في ذلك على قدسية العلمانية التي قامت عليها الدولة الفرنسية بموجب المادة الأولى من دستور 1958 الذي يؤكد علـــى علمانية النظام السياسي الفرنسي الذي يؤمن بحرية الفكر والمعتقد مثلما كرسته قانون التاسع من ديسمبر 1905 المتعلق بفصل الكنيسة عن الدولة ويُقر بأنّ الجمهورية لا تعترف بأي دين ولا تعطي لرجاله أجرا ولا تقدم لهم إعانة مادية (de bechillon, 2010, p. 470) إذن العلمانية هي فصل الكنيسة عن الدولة وفصل المؤسسات السياسية عن المؤسسة الدينية، فالدولة إذن محايدة رسميًا في الأمور الدينية ولا تدعم وجود الدين ولا غاية فالأصل هو قوانين ومبادئ الجمهورية وتعتبر المدرسة واجهة أساسية لمستقبل فرنسا وضامنة له وعليه فهي لا تتبنى فكرا دينيا معينا ولكنها مطالبة بتقديم معارف منطقية وواضحة تسمح للطالب بالاستيعاب والفهم من أجل اختيار العقيدة التي يراها مناسبة له وفي نفس الوقت له أن يرفض كل الأفكار الدينية من منطلق حرية المعتقد.

    حماية لمبدأ العلمانية التي تقوم عليه الدولة الفرنسية وتكريسًا داخل كل المؤسسات العامة جاء قرار حظر الرموز الدينية وفي مقدمتها الحجاب داخل المؤسسات التعليمية ليُكرس مبدأ المساواة بين كل الطلبة بصرف النظر على انتمائه الديني لكن المنتقدين لقانون حظر الرموز الدينية يرون بأن هذا القانون يستهدف المسلمين بالدرجة الأولى وتحديدا ارتداء الحجاب الذي يُعد تكليفًا وفرضًا دينيا على كل امرأة مسلمة وبالتالي فهو يدخل في إطار علاقة المرأة المسلمة بدينها ورضى ربها وامتثالها بطواعية لأوامره وهو خاص بكل النساء المسلمات وهنا انتقال الحجاب إلى القضاء العام الفرنسي والغربي أثار كثير من النقد بل والعداوة والكراهية والقول بأن الحجاب ينزع هُوية المرأة واحترامها ويحولها إلى مخلوق نكرة عديم الفائدة وهو ليس واجب ديني بل رمز للجماعات الإسلامية المتطرفة التي تفرض الحجاب وهي جماعات إرهابية تهدد علمانية الدولة الفرنسية وهذا ما أكد عليه استطلاع للرأي قام به معهد إيفون في أكتوبر 2019 حيث أكد 61% من المستجوبين أنّ الإسلام لا يتوافق مع القيم الفرنسية بينما يعتقد 80% أنّ العلمانية في خطر في فرنسا. وحتى الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون اعتبر الحجاب موضوع مثير للجدل في فرنسا لأنه لا يتطابق مع طريقة العيش في بلادنا، فنحن مهتمون جدا بالمساواة بين النساء والرجال (قريرة، 2020).

    تؤكد فرنسا أن قانون حظر الرموز الدينية لسنتي 2004 و2010 لا يمنع ابدا المرأة المسلمة من ارتداء حجابها خارج المؤسسات العامة وجاء من باب حماية علمانية فرنسا حيث أن مبدأ حرية المعتقد يكفله القانون الفرنسي لكن في ظل احترام مبادئ الدولة الفرنسية وأسس دستورها وعلى الجميع وتحديدا مسلمو فرنسا الالتزام بمبادئ الجمهورية والاندماج في المجتمع الفرنسي الذي يؤمن بالحرية الدينية. إن حماية الحق بالحرية الدينية لكافة الطلاب لا يضعف العلمانية في المدارس، بل على العكس تظهر احترام التعدد الديني ( هيومان وتش و رايتس، 2004).

    ولم تعد المؤسسات الحكومية وحدها في أوروبا من لها الحق في حظر الحجاب، فحتى المؤسسات الخاصة أصبح لها الحق أيضا في حظر الحجاب وهذا بقرار محكمة العدل الأوروبية الصادر في مارس 2021 وهو ما يتعارض مع المادة 21 من ميثاق الحقوق الأساسية لدول الاتحاد الأوروبي التي تحظر وتمنع أي تمييز قائم على العقيدة (ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي، 2000).

    وقانون حظر الرموز الدينية يكرس التمييز ضد المرأة المسلمة لأن الإسلام هو المستهدف الحقيقي وهنا نتساءل لماذا لا توجد قوانين تحدد نوع وشكل الملابس التي يجب أن ترتديها النساء الأخريات أي غير المسلمات.

    ما يمكن أن يؤخذ على موقف فرنسا والدول الغربية عموما هو نظرتها الدونية والسلبية للحجاب كرمز للعبودية والعنف والارهاب والإضرار بالنظام العام وتحديا لمبادئ الجمهورية والعلمانية وهذه ادعاءات لا أساس لها من الصحّة فالحجاب فرضٌ ثبت وجوبه بنصوص القرآن والسنة وليس من حق أحد الخوض فيها، فارتداء المرأة المسلمة للحجاب هو استجابة لأوامر الله سبحانه وتعالى ويتماشى مع الفطرة البشرية وحينما تقرر ارتداء الحجاب فهي تقرر بعقلها بكل حرية ووعي يعكس التزامها وأخلاقها ولباسها المستقل بما يحفظ لها كرامتها بعيدًا عن لغة الجسد والشهوة.

    إن الموقف العلماني الغربي من الحجاب يعود في الحقيقة إلى الخوف من الإسلام أو أسلمة أوروبا المسيحية، وهذا الخوف تضاعف خاصة بعد أحداث سبتمبر 2001 لتتوالى الحملات العدائية ضد النساء المسلمات وليُفتح حوار في فرنسا حول وضع المسلمين مع التركيز على الإرث المسيحي لفرنسا مع تصويت مجلس الشيوخ الفرنسي في 30 مارس الماضي لصالح قانون الانفصالية الذي يهدف لفرض قيم الجمهورية وإعطاء الدولة كل الأدوات اللازمة لمحاربة التطرف الإسلامي، ومن ركائز هذا القانون مقاومة كل أشكال قمع المرأة وانتهاك حقوقها ليصبح السن الذي يمكن أن ترتدي فيه الفتاة المسلمة الفرنسية هو سن الثامنة عشر مع الاعتراف بالمقابل بالاستقلالية وحرية إقامة العلاقات الجنسية يعمر 15 عاما للفتيات وكأن حقوق المرأة تقتصر فقط في جسدها وتحررها الجنسي مع الإشارة أن هذا القانون ينتظر التصويت عليه في الجمعية الوطنية الفرنسية) (اندبندت، 2021).

    ما يمكن قوله أنّ العلمانية الفرنسية متخاصمة مع الدين وتحديدا الدين الإسلامي ذلك أنّ النصوص الصادرة مرتبطة بالمسلمين فقط ووصلت إلى حد تطبيق عقوبات ضد الطلبة الذين لا يحترمون قانون حظر الرموز الدينية ) ناصر، أحمد بخيت السيد، 2009، صفحة 249) يعيش مسلمو فرنسا ضغوطات كبيرة وسط دعوة الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون إلى تحقيق ما يسميه بالإسلام الفرنسي وصياغة ميثاق التزام بالقيم الجمهورية الفرنسية وتحديدا توافق العقيدة الإسلامية مع علمانية الجمهورية الفرنسية التي ليست في حرب مع الإسلام فمعركتها الحقيقية ضد الانفصالية الإسلامية وضد المتطرفين الذين يقلدون الفرنسيين ويعلمون أبناء فرنسا كراهية الجمهورية وقيمها وباختصار فرنسا تواجه الظلامية والتعصب والتطرف وليس الدين.(ماكرون: فرنسا ليست بتاتا في حرب ضد الإسلام بل ضد الانفصالية الإسلامية، 2020)

    بلا شك أنّ الخوف من الإسلام وانتشار خطاب الكراهية في المجتمعات الغربية وكذا صعود اليمين المتطرف كان من الأسباب الأساسية لصدور قانون حظر الحجاب الذي أخرج الحجاب من إطاره الديني ليُصبح قضية يتجاذبها السياسيون لأهداف مختلفة.

    2-ردود الأفعال الإسلامية من قانون حظر الحجاب في فرنسا وأوروبا:

    لقد أثيرت قضية الحجاب في كثير من الدول العربية والإسلامية وهذا قبل أن تُثار في الدول الغربية نفسها فتعالت أصوات بعض الشخصيات المدافعة عن حرية المرأة وتحررها فمناقشة قضية الحجاب في المجتمعات المسلمة حملت دلالات مختلفة بأهداف مختلفة أيضًا عما هو موجود في الدول الغربية لكن من المؤكد أنّ حظر الحجاب في فرنسا والدول الغربية أثار العديد من المواقف المتفاوتة في قوتها.

    فأغلبية الدول المسلمة التزمت الصمت انطلاقا من أنّ فرنسا حُرة في اتخاذ المواقف وسن القوانين التي تناسب بيئتها، الحضارية والسياسية متجاهلين حياة ومستقبل ملايين المسلمين الذين يعيشون في أوروبا ويتمسكون بقيم دينهم الإسلامي وتحديدا النساء المسلمات اللواتي لا يرتدين الحجاب بهدف إظهار أنهن مسلمات ولكن لأنهن يعتقدن ويؤمن بأنّ الحجاب أمر وواجب شرعي والغريب أنّ شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي وفقهاء مصريون أخرون أكدوا أنّ فرض الحظر على ارتداء الحجاب في فرنسا شأن داخلي لا يجوز لأحد التدخل فيه ولا يحق لأحد أن يعترض على مصر إذا أصدرت مثلا قانونا يمنع أية طالبة من دخول المدرسة ما لم تكن ترتدي الحجاب وأضاف " من حق كل دولة أن تصدر من القوانين ما يناسبها (القرضاوي، 2003).

    وفي السياق ذاته أكد رئيس مُجمع البحوث الإسلامية في مصر الشيخ إبراهيم الغيومي أنّ ما تفعله فرنسا هو نظام خاص بها ولا يستطيع أحد أن يتدخل فيه، ففرنسا دولة علمانية لها تقاليدها الخاصة ولا تميز بين مختلف الأديان وبالتالي لا يوجد شيء تؤاخذ عليه.

    يظهر أن فرنسا نجحت في إنزاع تأييد غير متوقع لأكبر وأهم سلطة روحية إسلامية وهي الأزهر، هذا الموقف قابله رفض إسلامي واسع لأنّ شيخ الأزهر اختار الوقوف مع السلطة الفرنسية تحت ذريعة الديمقراطية والحرية وحماية الجمهورية والشأن الداخلي وتناسى أن حماية المرأة المسلمة والدفاع عنها في أي مكان من العالم هو واجب شرعي ومسؤولية دينية وأخلاقية كان لابد على أكبر سلطة دينية في الوطن العربي أن تقوم بها (الدسوقي).

    كما عبر اتحاد علماء المسلمين والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث الذي يُمثل المرجعية الدينية لمسلمي أوروبا والذي حرص في كل مناسبة على نصح المسلمين على أن يكونوا عناصر إيجابية فاعلة في المجتمعات التي يعيشون فيها وأن يكونوا دعاة وحدة وتسامح لا دعاة انقسام وكراهية، فأكد الشيخ يوسف القرضاوي أنّ الحجاب ليس رمزًا دينيا يعبر عن الانتماء الديني لصاحبه مثل: الصليب على صدر المسيحي والقلنسوة الصغيرة على رأس اليهودي فهذا يمثل إعلانا عن الهوية وهذا بخلاف الحجاب الذي له وظيفة معروفة وأبعاده عميقة وهو تعبير عن الستر والاحتشام والامتثال لأوامر ربها وهي بذلك لا تعلن عن دينها أو هويتها (القرضاوي).

    إن قانون حظر الحجاب في فرنسا وبقية الدول الأخرى التي تبعتها في ذلك يكرس صراعا حضاريا وإيديولوجيا قديما جديدا بين الغرب المهيمن والإسلام الذي يشكل المنافس الفكري الرئيسي للغرب (النجار، 2009، صفحة33).

    ويضاف على أن الدول الغربية وفي مقدمتها فرنسا تشعر بأن الإسلام بكل قيمه ومظاهره يهدد فعليا الهوية الأوروبية وهذا ما أكدته معظم برامج الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تصف الإسلام على أنه العدو الأول لأوروبا والعالم ككل.

    إن كرونولوجيا حظر الحجاب في أوروبا بداية من سبتمبر 2003 وحكم المحكمة الدستورية الألمانية الذي جاء ليمنع المعلمات من ارتداء الحجاب وقانون 2004 بفرنسا وتلاه قانون أفريل 2011 الخاص بمنع النساء من ارتداء النقاب في أي مكان عام وحظر ملابس السباحة أو ما يعرف إعلاميا بالبوركيني في أوت 2016 ووصولا إلى قانون الانفصالية الإسلامية الذي أعده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في بداية شهر أكتوبر 2020 والذي اعتبره الكثيرون ضد حرية المعتقد والدين ويستهدف الإسلام والمسلمين بالدرجة الأولى رغم تأكيد فرنسا على لسان رئيسها ورئيس وزرائها أنّ القانون الجديد أصبح ضروريا بسبب الهجمات المتزايدة على مبادئ العلمانية التي تضمن حرية الايمان و عدم الايمان ما أصبح يؤثر على قدرتنا على العيش بسلام وتنادي فرنسا إلى تأسيس إسلام فرنسي جديد لقطع الطريق أمام التيارات الدينية المتطرفة وبالتالي تتولى السلطات الفرنسية مهمة الإشراف على المؤسسات التعليمية والدينية وطرد الأئمة الذين يحرضون على العنف والتطرف.

    لقد أثار هذا القانون غضبا شعبيا ورسميا في بعض الدول العربية والإسلامية التي اعتبرته تمييزا عنصريا ضد المسلمين وحرب معلنة على الإسلام لتعبئة وكسب أصوات الناخبين وتكريس لخطاب معادي للمسلمين الذين يهددون الوحدة المجتمعية وقيم العلمانية ويمثل هذا استجابة لنسق فكري وتصور نمطي موجود في عقل ووجدان الانسان الأوروبي عن الإسلام والمسلمين في أوروبا خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، فالإسلام هو تهديد حقيقي لحرية الغرب وعقلانيته وماديته والمشكلة الأساسية بالنسبة للغرب ليست الأصولية الإسلامية بل الإسلام في حد ذاته فهو حضارة مختلفة

    يتضح مما سبق أن العداء الغربي للحجاب قديم قدم الدين الإسلامي ويعكس هذا العداء حرص الحضارة الغربية على قيادة العالم والهيمنة عليه سياسيًا واقتصاديا وثقافيا وإقصاء الآخر لاسيما الإسلام والمسلمين عبر تأصيل الأفكار السلبية النمطية عليه والتطبيق عليه سياسيًا وإعلاميا ورفض الرموز الدينية للمسلمين وفي مقدمتها الحجاب من خلال اعتباره رمزا للقهر والإرهاب والعبودية والتخلف ليتأكد بأن المسلمين في فرنسا تحديدا فشلوا في تحقيق الاندماج في المجتمع الفرنسي مع الاحتفاظ بحق الاختلاف الذي يعني المحافظة على الهوية الإسلامية واحترام مبادئ العلمانية في آن واحد وهنا تبرز قضية حظر الحجاب في فرنسا وفي أوروبا ليعطي صورة منشدة لفرنسا العلمانية غير المتصالحة مع الأديان خاصة مع الدين الإسلامي وهو ما يؤثر على استقرار وتماسك المجتمع الفرنسي ويعيد طرح إشكالية اندماج المسلمين الفرنسيين.

    الخاتمة:

    تبقى قضية الحجاب من القضايا الشائكة بالنسبة للدول الغربية وخاصة فرنسا التي تعيش فيها أكبر جالية مسلمة خائفة وقلقة على مقوماتها وثوابتها وفي مقدمتها الحجاب الذي لا يعتبر رمزا دينيا تتفاخر به المرأة المسلمة بل هو امتثال لإرادة وأوامر الله عز وجل.

    إن المواقف الغربية من الحجاب هي ترجمة فعلية للصورة النمطية السلبية المرسخة لدى الغرب حول الإسلام والمسلمين كمصدر للعنف والإرهاب، وهو ما يشكل منطلقا لخطابات الكراهية المعادية للمسلمين ويأتي حجاب المرأة المسلمة حسب التطور الغربي كعنوان أساسي لضعفها وخضوعها وعدم قدرتها على اختيار ما يناسبها، وهذا الطرح تستند عليه الدول الغربية في التصدي لحجاب المرأة المسلمة الذي يعد مظهرا وتحديا إسلاميا يجب منعه وحظره في مجتمعات قائمة على العلمانية والحجاب الإسلامي يشكل تهديدا صريحا وقويا للقيم الثقافية والحضارية الغربية بدليل أن هناك اجماع بين السياسيين والإعلاميين الغربيين على أن الحجاب لا يتناسب مع مقومات الحياة الغربية. وعليه، يجب التعامل معه بصرامة ويبقى أن هذا الطرح المعادي لحجاب المرأة المسلمة يمثل في أقوى صورة كراهية وموقفا سياسيا معادي للإسلام والمسلمين.

    توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج المهمة:

  • يمثل قانون حظر الحجاب في الدول الغربية ممارسة عنصرية ضد الإسلام والمسلمين.

  • يمثل موقف الدول الغربية من حجاب المرأة المسلمة تكريسا لخطاب الكراهية المعادية للإسلام. والمسلمين والحرص على قيادة العالم والهيمنة عليه سياسيا وثقافيا وحضاريا.

  • تكريت الصورة النمطية السلبية المرسخة لدى الغرب حول الإسلام والمسلمين كمصدر للتخلف والعنف والإرهاب.

  • يمثل موقف الدول الغربية من حجاب المرأة المسلمة تحديا صارخا لحقوق الانسان.

  • تمثل مواقف الدول العربية والإسلامية خاصة الرسمية إزاء قانون حظر الحجاب تواطؤا مع الدول الغربية.

    قائمة المصادر والمراجع: باللغة العربية:
    • كاتريك بولوك. (2011). نظرة الغرب إلى الحجاب، دراسة ميدانية، ترجمة مجاهد شكري، منشورات مكتبة العبيكان.

    • هيومان وتش، و رايتس. (26 02, 2004). حظر الحجاب هو انتهاك للحرية الدينية. تم الاسترداد من Hnw .org /node/227472/printable/print

    • البرلمان الفرنسي يحظر الحجاب والرموز الدينية. (2004). تم الاسترداد من www.aljazeera.net/news/international2004/2/10

    • الجلاهمة بنت محمد، أميمة. (بلا تاريخ). حجاب المرأة اليهودية. تم الاسترداد من www.saaid.net/daaeyat/omima/122htm

    • اندبندت. (09 04, 2021). مشروع تحديد سن الحجاب في فرنسا يكشف عنصرية متجذرة ضد المسلمين. تم الاسترداد من aljazeera.net

    • تعريف الحجاب لغة وشرعا. (2020). تم الاسترداد من WWW.mqqal.blogspot.com: 2020/05hijab/htm l

    • توحش علماني في مواجهة الحجاب. (2003). تم الاسترداد من www laha on line.com/articles /view/5383htm

    • حكاية الحجاب عبر العصور والدهور في اليهودية والمسيحية والإسلام. (15 02, 2019). تم الاسترداد من بوابة الاعلام الالكتروني : gate.org.eg/news/2109760

    • زغلول النجار. (2009). الإسلام والغرب في كتابات الغربيون، القاهرة: مصر للطباعة والنشر والتوزيع.

    • سارة قريرة. (12 مارس, 2020). المحجبات في فرنسا. المشاريع الخاصة ضد التمييز. تم الاسترداد من 2020 orient xxi .info /magazine/article 3708

    • سامي عامري. (2017). الحجاب شريعة الله في الإسلام واليهودية والنصرانية. تم الاسترداد من www.islamport.com/K/dwh/6390/1htm

    • سامي عامري. (بلا تاريخ). الحجاب شريعة الله في الإسلام واليهودية والنصرانية. تم الاسترداد من www.islamport.com/K/dwh/6390/1htm

    • عبد الرحمن طه. (2017). دين الحياء من الفقه الائتماني إلى الفقه الائتماني. بيروت: والابداع, المؤسسة العربية للفكر.

    • ماكرون: فرنسا ليست بتاتا في حرب ضد الإسلام بل ضد الانفصالية الإسلامية. (2020). تم الاسترداد من france 24 .com/ar/20201105

    • محمد بن علي الدسوقي . (بلا تاريخ). رسالة إلى مسلمات فرنسا. تم الاسترداد من www .Saaid.net

    • محمد مونزر. (26 11, 2013). كشف النقاب عن تاريخ ودلالة الحجاب الجزء الثاني اليونانيون. تم الاسترداد من mm mounzer.weely.com

    • مصطفى حقي. (06 09, 2008). كان مفروضا على الرجل والمرأة قبل الإسلام...؟ تم الاسترداد من ahewar.org

    • ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي. (2000). تم الاسترداد من المادة 21 hrlibrary.umn.educ /arab/eu-rights-charter.html

    • ناجي.ماريان. (2017). هل يوجد حجاب في المسيحية. تم الاسترداد من www.saoutalomma.com

    • ناصر,أحمد بخيت السيد. (2009). الحماية الدولية لحرية اعتناق الديانة وممارسة شعائرها، الإسكندرية. دار الجامعة الجزائرية.

    • هادي العجمي. (2010). السجن مدة عام وغرامة 15 الف يورو لمن يفرض ارتداء البرقع على امراة. تم الاسترداد من www . France 24.com/ar /20100430

    • ياسين حسن روزا. (بلا تاريخ). هل الحجاب هوية إسلامية حقا. تم الاسترداد من www.abwab.eu

    • يوسف القرضاوي. (19 12, 2003). ينتقد حضر الحجاب بفرنسا ولندن تتحفظ. تم الاسترداد من aljazeera.net/news/international

    • يوسف القرضاوي. (بلا تاريخ). حظر الحجاب ردة عن الحضارة ومناف لحرية العقيدة. تم الاسترداد من Al-qaradawi.net /node/3537


    • باللغة الأجنبية:
    • Yacoub, j. (1998). Les Minorités dans le Monde. paris: des Clés de Brouwer.

    • de bechillon, D. (2010, mai-juin). le voile : deux approches, revue française de droit administratif. (3), 470.

    • Hajjat, a. (2010). port du Hijab et defaut d'assimilation, etude d'un cas problematique pour l'acquisition de la nationalité Française. (sociologie, Éd.) sociologie, 1(4), 439-456. Consulté le 2010

    • Staci, B. (2003). commission de reflexion sur l'application du principe de laicité dans la republique. rapport au president de la republique vie-publique .fr/sites/defaut/files /rapport/pdf/034000725.

    • عامري, س. (2017). الحجاب شريعة الله في الإسلام واليهودية والنصرانية. Récupéré sur www.islamport.com/K/dwh/6390/1htm





    يعبر عن غطاء الرأس الذي كانت ترتديه وتستخدمه المرأة اليونانية القديمة لتحجب وجهها، "فالمرأة اليونانية قديما تحجب وجهها كليا ولا يظهر سوى العينان".

    Karima BENANE & Semhane BENLALAM || The veil in the west countries between the religious freedons and secular codes || Ibn Khaldoun Journal for Studies and Researches || Volume 2 || Issue 8 || Pages 77 - 96.

    0



Loading...
Issue Details
Showing 1 to 13 of 13 entries
Article TitleAuthorsVol InfoYear
Volume 2 Issue 8
2022
Volume 2 Issue 8
2022
Volume 2 Issue 8
2022
Volume 2 Issue 8
2022
Volume 2 Issue 8
2022
Volume 2 Issue 8
2022
Volume 2 Issue 8
2022
Volume 2 Issue 8
2022
Volume 2 Issue 8
2022
Volume 2 Issue 8
2022
Volume 2 Issue 8
2022
Volume 2 Issue 8
2022
Volume 2 Issue 8
2022
Article TitleAuthorsVol InfoYear
Showing 1 to 13 of 13 entries
Similar Articles
Loading...
Similar Article Headings
Loading...
Similar Books
Loading...
Similar Chapters
Loading...
Similar Thesis
Loading...

Similar News

Loading...
About Us

Asian Research Index (ARI) is an online indexing service for providing free access, peer reviewed, high quality literature.

Whatsapp group

asianindexing@gmail.com

Follow us

Copyright @2023 | Asian Research Index